خبز بايت

0
74

أشارك صديقي الأكل كل يوم… أشاركه مضطرّا تقريباو لا أَجِد حيلة في إنجاح التواصل معه و لا في مغادرة مائدته
لماذا؟
يطول الشّرح…
الله غالب…هكذا هو الأمر و ما باليد شيء

ما يزعجني في الجلوس إلى مائدته القديمة أن الخبز الذي يضعه كل يوم عليها خبز بايت لا يُستساغ، ورائحته تصدم الأنف قبل الفم و الرّوح
و رغم ذلك لا يملّ صديقي من وضع الخبز البايت و من استهلاكه

صديقي ككل خمسينيّ تقريا ميّال إلى الثّرثرة، و ككلّ خمسينيّ أيضا لم يُحقّق شيئا في حياته البائسة. لكنّه يعجز عن مواجهة تلك الحقيقة الفاقعة… لذلك، يوميّا و هو يضع الخبز البايت على الطّاولة يسترسل في الحديث عن الماضي الجميل البايت:

أيّام بورقيبة أيّام الخِير
و يا حسرة وقت إلّي كان التّعليم تعليم
و كيلو اللحم إلّي كان بدينار…
صديقي من فرط الثّرثرة كثير النّسيان فمرّة كان بدينار و مرّة كان بخمسمائة و مرّة يقول نسيت ثمنه أمّا كان رخيص بلاش فلوس…
ملعون بو ها الوقت الكلب… كان قلّة التّربية و الأمراض و التكربين…
بوليسي بشلطة كان يمشّي ها البلاد لكلها كالمنقالة… و كان الواحد يسافر عڨاب اللّيل ومايخاف من حتّى شي …

كان صديقي إذا بدأ في هذا الكلام لا يصمت إِلّا ليطحن بأضراسه الخبز البايت الڨارص

أنا أيضا، و أستغفر الله من كلمة أنا، خمسينيّ و لكنّي قليل الحنين إلى الماضي لأنّي ببساطة لم أر أبدا الماضي أصبح ماضيا كي أحنّ إليه… و أكرهُ منذ باكر العمر جد بو الخبز البايت و الحديث البايت…و كلّ شي بايت بما في ذلك قول العوام عندنا للمقدم على الزّواج  » باش يبيّت  »

اضطررتُ في أيّام الطّفولة البعيدة إلى أكل الخبز البايت بعض المرّات باسم حكم تقليديّة من أمّ مدبّرة ترافق تقديم الخبز البايت بخطاب شرعي لم تسمعه من فقِيه : حرام وليدي يطّيّش الخبز… و بخطاب طبّي لم تسمعه من طبيب: الخبز البايت ينفع خير من الخبز السخون… و بخطاب سلطة، عند الغضب و انقطاع الحجّة،لم تتعلّمه في الڨازرنة: هاكه الموجود… عينك كول ولّا مُوت بالشّرّ… غيرك ما لڨاش ما ياكل…

ما كان يهوّن عليّ حينها أكل الخبز البايت أنّ أُمِّي كانت تحترم الخبز البايت لا لأنّه بايت بل لأنّه خبز بكلّ بساطة…و الخبز عندها مقدّس في كلّ أحواله…و كانت لا تضع البايت إلّا عند الاضطرار فهي في حال الرّفاه البسيط الذي كانت تمرّ به أحيانا تضع على المائدة التي زيّنتها بغطاء ملوّن من نسج يديها خبزا شهيّا أعدّته في الفجر و النّاس نيام

مع صديقي الأمر مختلف… الخبز البايت صار منوال حياة
و ما أتعبني فعلا أنا المضطرّ إلى مشاركته المائدة البائسة أنّه لا يرى في الخبز البايت خبزا بائتا
يمضغه بتلذّذ و فمه يندلق في نفس الوقت بجمال الأيّام الماضية أيّام البوليس و الأمن والشِّيخات…

أحيانا قليلة أقع في الخطأ فأناقشه…
أتذكّر مرّة قلت له: ياسر ڨديم يا صاحبي و حديثك بايت كخبزك و كل ما تقوله عن الماضي مجرد أوهام تصعد بها إلى رأسك سنواتُك الخمسون المغموسة في زيت رديء… يا صديقي أنت تبيت في الماضي لأنك ببساطة ميّت في الحاضر… و تأكل الخبز البايت لأنّك لرداءتك و كسلك لا تطهو خبزك في الفجر ككلّ النّاس الذين تصفهم منبهرا بكونهم متقدمين علينا…
الغريب أنّ كلامي معه، بدل أن يُغيّره دفعه إلى أشياء عمّقت مأزقي
أضحى بفضل التّقنية يتابع الطّرائق التي بها يعطي البايت مذاق الجديد
الحفظ في الثّلّاجة ضمن شروط محدّدة و التّسخين في حدود معيّنة و الاستهلاك الفوري بعد التّسخين

هو في المقابل غير معنيّ بأنّ هذه الحيل لا تغيّر من حقيقة البايت لا قليلا و لا كثيرا
و غير معنيّ بأنّ كلفة الحيل الحداثيّة تمكّنه في يسر لو فكّر لحظة من صناعة خبز شهيّ جديد
و هو غير مهتم أصلا بأنّ خلف تسخين البايت بالوسائط التّقنيّة غشّا قد يخدع أسنانك وحلقك لوهلة. لكنّه أعجز من أن يخدع روحك…
و بدل أن أعاني مشكلة البايت وحدها وجدتُ نفسي أعاني مشكلة تزييف البايت و ما يمكن أن تحمله تقنيات التّسخين المتقدّمة من المضارّ الجانبيّة و الأمراض الخبيثة المبيّتة…

الحقيقة ما ناقشته إِلَّا نادرا لأَنِّي يائس منه تماما و يائس ممّا يسمّيه النّاس الإقناع
وحدها الآفات و الأوبئة و الآجال يمكن أن تُسكته و تُسكتني معه

و في الانتظار و أنا أنهض كلّ صباح مثقلا بنوم أسوأ من اليقظة أهيّء نفسي للخبز البايت على المائدة القديمة مصبّرا نفسي بحلم بايت منذ سنوات مديدة: ربّما في يوم ما أقلب الطّاولة المهترئة و ما عليها
آه…كدتُ أنسى أنّي صرختُ يوما في وجه الصّديق رافضا مشاركته الخبز و الحديث:
الجوع و لا الخضوع…
هزّ رأسه الثّقيل و نظر إليّ بإشفاق مبيّت:
سيّب عليك يا راجل من ها الحكمة البايتة ! الدّنيا تغيْرِت راهي !

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here