إكراهات الحكم أم سلوك مدني

0
261
سامي براهم

تتنافس الحركات السياسيّة على الاستثمار في شرعيّة الدّماء و الانتساب للرأسمال الرّمزي للشّهداء و الشّهادة في سبيل القضايا العادلة و ليس هناك أعدل من تحرير الأوطان ، و ليس هناك أعدل من القضيّة الفلسطينيّة التي تعتبر من أكثر القضايا التي تجمع التونسيين « إلا قلّة هجينة شاذّة مسلوخة عن انتمائها الوطني و القومي و الإنساني ».

كان يفترض انطلاقا من هذا التشخيص أن يسابق حزب النّهضة للاحتفاء بالشّهيد النهضوي القسّامي ، إن لم يكن للاستثمار السياسي فمن باب الوفاء لانتمائه السّابق لحزبها و نضاله في صفوفها ، لكن ما حصل هو تصرّف حياديّ بارد خال من الشّحنة العاطفيّة لحزب مهما حاول تقديم نفسه في صورة الحزب المدني فهو ذو مرجعيّة إسلاميّة تحتفي مصادرها وأدبياتها بالشّهادة و تعلي من مقام الشّهداء و من قيمتهم الاعتباريّة و تصنع لهم سرديّات ترتقي إلى العجائبيّة و الخوارق .

ما الذي جعل النهضة تتصرّف بهذا الشّكل ؟ هل هي إكراهات السّلطة و حبّ البقاء في الحكم و لو على حساب قيم المرجعيّة التي يصدر عنها الحزب و مشاعر قواعده و إحساسهم بالغبن ؟ أم هو سلوك سياسي مدني حقيقي في التعامل مع حدث الاغتيال ؟

هو اختبار جديد صعب للنّهضة الحزب الذي يشهد تحوّلات في الوعي و شكل الانتظام السياسي منذ ما بعد الثّورة لذلك لا بدّ من تحليل خلفيات السلوك النهضوي إزاء هذا الحدث المربك.

إنّ إبراز الانتماء النهضوي للمستهدف بالاغتيال حتّى و إن كان قديما يضع النهضة في سؤال الازدواج التنظيمي  » حزب سياسي مدني و فصيل عسكري  » خاصّة و أنّ هذا الفصيل و إن كان مقاوما فليس محلّ إجماع داخل السّاحة السياسيّة التونسية ، كما يمكن أن يضع النهضة في شبهة التنسيق السريّ مع فصيل عسكري  » أجنبي  » بالمنطق القانوني و السياسي الوطني و يثير من حولها الاتهامات بغياب المرجعيّة الوطنيّة لصالح المرجعيّة الشموليّة المافوق قطريّة.

و هو ما يمكن أن يثير خصومها و حتّى حلفاءها بل يمكن أن يؤثّر على التّوافق البراجماتي الهشّ الذي يجمعها بحليف بنى شرعيته السياسية و فوزه الانتخابي على اتهامها بالأخونة وغياب المرجعيّة الوطنيّة

من جهة أخرى حرصت النّهضة رغم استقبالها لقيادات المقاومة الفلسطينية و تنظيمها قافلة لغزّة ترأسها وزير خارجيتها زمن حكم الترويكا على تطمين دول لها علاقة عضوية استراتيجية بالكيان الصهيوني على رؤيتها المتوازنة لقضايا المنطقة و التزامها بالشرعية الدوليّة و مواثيقها و قراراتها بخصوص القضية الفلسطينيّة و هو سقف دون ما تربّى عليه أبناؤها في العلاقة بفلسطين في أدبيات مشبعة بالكثافات العاطفية و الرمزيّة و المعاني الدينيّة .

كلّ هذه التحوّلات ربّما لم يواكبها بالشّكل الكافي قواعد النّهضة بل ربّما قيادتها الوسطى لذلك شكّلت صدمة و حالة من الغبن والغربة أمام شهيد عاشروه زمنا سواء في أرض الوطن أو المهجر قبل أن يختار الانفصال التنظيمي و العلائقي ليمحّض عقله و روحه و جهده للمعرفة و المقاومة ، لسان حالهم يقول هذا ابننا و أخونا بينما إكراهات السياسة و التزام السّلوك المدني المتخفّف من عواطف السياسة الاحتجاجية التعبويّة تضعهم طوعا أو كرها في موقع الحياديّة.

بقطع النّظر عن تقييم موقف النهضة و وجاهته في مضمار السّلوك السياسي المدني و المصلحة الوطنيّة و الحزبيّة فلقد غنم الشّهيد و غنمت تونس من هذا الموقف و ارتقى الشهيد فوق الانتماءات الفئويّة الضيقة و أصبح محلّ إجماع وطني رسميّ و شعبي ، و رمزا لتونس الفلسطينيّة تاريخا وروحا و وجدانا و عقلا

و هذا من كرامة الشّهيد و علامات صدق شهاداته
فحيّوا شهيد الوطن فقد ارتقت به تونس و ارتقى بها

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here