الفوّار: محاولة توصيف

0
138

مقدّمة:

لتناقش ما يحدث في الفوّار.و ما حدث قبلها في الذهيبة و الحامّة و بنقردان و غيرها عليك أن تتجنّب الولاءات الحزبيّة و الأهواء الإيديولوجيّة و النّعرات الجهويّة لأنّها طرق ملكيّة تحملك ٍرأسا إلى الخروج عن الموضوع.
لا تستسلم أيضا لمنطقين بائسين:منطق البوليس القمعيّ المتخفّي خلف « هيبة الدّولة ». و منطق الدّفاع عن كلّ احتجاج باسم عدالة المطالب.

نقاط يجدر تذكّرها:

(1)  « المدن المنفلتة » بدأت في الإعلان عن نفسها منذ عهد بن علي:الرديّف و بنقردان و الصخيرة و سيدي بوزيد…و استمرّت بعده رغم تعاقب جهات حزبيّة و إيديولوجيّة متباينة.
هذا يعني ببساطة أنّ الأمر أعمق من « مؤامرة » ضدّ ولاءاتك،و أعمق من « احتجاجات مشروعة » تظنّ أنّك غدا تجني خراجها.
(2) هذه « الانفلاتات » أو « الاحتجاجات »(=كلّ تسمية وراءها ما وراءها) هي مكوّن رئيسيّ من مكوّنات إسقاط بن علي.
تقاطع استثنائيّ حدث في 14/17 بين « كثرة فلانيّة » و نخب سياسيّة و نقابيّة جعل ما حدث ممكن الحدوث.و لم تكن النّخب السّياسيّة-بعد سحق الإسلاميّين في التّسعينات-ذات قوّة تسمح لها بأن تبني امتدادا اجتماعيّا يجعلها قادرة على التّحرّك في الشّارع وبه حتّى جاءتها « فرصة العمر » في 14/17.و استطاعت لأوّل مرّة ألّا تكون في غاية البؤس،و أمكن استثنائيّا أن تنسى أمراضها الإيديولوجيّة الطّفوليّة المزمنة.
(3) هذا التّقاطع-قُبيل هروب بن علي و تفاصيل كثيرة- انتهى إلى أن يعود كلٌّ إلى موقعه الأصليّ:الحشود إلى الهامش حيث بدأت تُنمّي يوما بعد يوم حالة « استعصاء الحكم ».و « النّخب » بأنواعها إلى الدّولة حيث تتقاسم فتات « عصابة السّرّاق ».و اتّجه الأمرُ بالتّدريج إلى أن تعود السّياسة مسرحيّة لا تعني إلّا الممثّلين فيها:مجرّد سوق عكاظ في بلاتوهات إعلاميّة موبوءة أصلا و فصلا.
(4) تولّدت آثار رهيبة من فشل ارتقاء التّقاطع الظّرفيّ إلى قوّة اجتماعيّة مؤطّرة أهمّها على الإطلاق العودة إلى سياسة لا تعني إلّا المشتغلين بها و قوى اجتماعيّة حيّة لا تجد في السّياسة ما يشدّها.
حدوث القطيعة من جديد بين النّخبة و النّاس ترك المجال واسعا لاشتغال العصبيّات القاتلة للمشروع الوطنيّ من قبيل العصبيّات الجهويّة و الفرقيّة الدّينيّة و المافويّةو العروشيّة و القطاعيّة الفئويّة ما شابهها.و انتقلنا بالتّدريج من مشروع وطن جديد لمجتمع جديد إلى مشروع تبعيّة متجدّد و مشروع تفكّك اجتماعيّ خطر.
(5) تحالف الحزبين الكبيرين بعد الانتخابات الماضية مع ضعف جوهريّ في الأحزاب المعارضة جعلنا أمام موجات من « حراك مدن » لا أحد بقادر أن يضع لها آفاقا سياسيّة.لذلك تجد أنّ الجميع من المتسيّسين في حال فرجة تقريبا.فالذين يحكمون بلا حلول.و الذين يُعارضون بلا حلول أيضا.

خلاصة:

(1) توجد الآن جهتان في صدام لا يهدأ حتّى يعود:الجهة الأمنيّة و فيها تفاصيل كثيرة و الجهة الاجتماعيّة و فيها أيضا الكثير من التّفاصيل.
لقد خرج من حلبة المعركة المعارضون الذين كانوا نتاجا مدرسيّا عاقلا:بعضُهم أُلحق بفتات السّلطة،و بعضهم يمضغ خيبته عاجزا،و بعضهم مستقيل ضعفا أو تعفّفا.
الأرض الآن تقريبا شبيهة بأرض أيّام الرديّف و بنقردان:لا أحد يمتلك أدنى استشراف لما يُمكن أن يحدث غدا.
(2) الحشود في مدنها لا تحمل ثورة لمن يحلم بثورة جديدة تأتيه و هو جالس في صالونه. و الحشود أيضا لم يعد من الممكن أن تُحكم كما كانت تُحكم قديما.و العائدون على صهوة الانتخابات إلى الكراسي التي طُردوا منها و شركاؤهم يعرفون يوما بعد يوم هذه الحقيقة.
(3) استمرار « الفرجة السّياسيّة » على صراع الأمن و النّاس(القمع و ردّ الفعل) مقدّمة إلى ما أسوأ.إذ لا أحد في ظنّي ينتصر من هذا الصّراع لأنّ أفقه في سياق غياب الحاضن السّياسيّ الوطنيّ لا يتخطّى الاستبداد الدّمويّ(سيطرة البوليس) أو الفوضى الدّمويّة(سيطرة العصبيّات الجماعيّة).و في كليهما مقتل كلّ إمكان للعمل السّياسيّ الجدير بصفته.

 

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here