حذارِ نحن على أعتاب الجحيم…

0
78

Olfa_Hilali_2

Olfa Hilali

حدثتني صديقة إيطالية قالت : « كثيرا ما استمعت إليك تتكلمين عن الدكتاتورية قبل الثورة التونسية وبعدها. كنت استمع إليك وأرى اجتهادك في إفهامي معناها وتجلياتها في حياة كل مواطن شاءت له الأقدار التعيسة أن يعيش في قبضتها, فابتسم في أعماقي………. »

قلت لها دهشة : « ولم الابتسام ؟؟؟؟ »

أجابتني : « لأنني أعرف معنى أن نعيش بين براثن الدكتاتورية, فإني وإن لم أعش الفاشية في إيطاليا, قضيت عمرا في بلاد ترزح تحت « دكتاتورية » برلسكوني, نعم « دكتاتورية » برلسكوني. صحيح أننا في ايطاليا كنا ننعم بانتخابات نزيهة ولكن ما قيمة الانتخابات في ظل إعلام موحد اللون يصنع الرأي العام صنعا ويكيفه كما يشاء أو كما تشاء له مصالحه ؟ »  قلت لها بحماس :»صدقت. »

فعلا، ما قيمة بطاقة الناخب التي « يختار » بفضلها المواطن حياته عندما يكون رأيه وتكون مواقفه مملاة من قنوات تلفزية  تتسلل إلى خياله وذهنه وذوقه فتكيف أحلامه وتوجه ردود فعله بل تمليها عليه إملاء، تحسن القبيح وتقبح الحسن كيفما شاءت طليقة  اليدين مرجعها الوحيد المال والأعمال والبورصة وطموحات فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بصور وأصوات بل وبلافتات تخرق المكان والزمان بل تخرق الجدران وتحل في البيوت وتلاحقنا في غرفها جميعا…..

عمل الإعلام التونسي على إجهاض الثورة التونسية لأسباب يسير أمر فهمها : هو إعلام الدكتاتور المدجن تدرب منذ الاستقلال على وظيفة واحدة هي تملق الحاكم الأوحد وتلميع صورته وإخضاع الشعب له. أفكاره مملاة وأساليبه محنطة تكسوها لغة هي نسيج من العبارات المنتظرة والتراكيب المتكررة…………

1 — تحريف الأحداث :

ردد الإعلام التونسي على أسماعنا خطابات تذهب إلى أن ما عشناه انقلاب ولا ثورة, بل هو انقلاب النظام على نفسه فتحول جنرال الدكتاتور إلى حامي البلاد والعباد وتحول جلاد الدكتاتور إلى منقذ التونسيين من حمامات الدماء وتحول التجمع الدستوري الديمقراطي إلى معقل من معاقل صحوة الضمير فثار « مناضلوه » وخرجوا إلى الشوارع لطرد الدكتاتور…… بل شاع في وسائل الإعلام أن الثورة التونسية بل الثورات العربية مؤامرة صهيوأمريكية لتقسيم العالم العربي تقسيما جديدا…….. رافق هذا التحريف سكوت عن جواب الأسئلة البديهية : من قتل شهداء الوطن ؟ مثلا وكل الأسئلة المتعلقة بالقصاص ومحاسبة النظام البائد واسترجاع ثروات التونسيين……. بل إنها لم تسكت فقط على الأسئلة الحارقة بل ركزت النظر على مطالب الناس اليومية العاجلة من مأكل وملبس ومشرب وظروف بيئية……. لخلق ردة على الثورة تتوسل « الإقراف » وهو إقراف يتسلل من بين ثناياه توهم أن الغلاء والفقر وتردي الأوضاع البيئية نتاج الثورة والحقيقة أنها سابقة لها بل قادح من قوادحها………

إن ما قيل في افتتاح مجلس نواب الشعب « ما يسمى ثورة » دليل واضح على نجاح الإعلام مع شق من التونسيين هؤلاء الذين اختاروا حمل خمسين تجمعي إلى مجلس نواب الشعب لنيابته ويرشحون أحد كبار الأزلام لرئاسة الجمهورية الثانية ……… تحول الجلاد إلى منقذ والأزلام إلى بناة وطن……هل أكبر من هذا التحريف تحريف ؟…………..

2 — تبخيس الثوار :

نصبت وسائل إعلامنا المشانق للثوار فحولتهم في أعين التونسيين إلى قطاع طرق فإذا أرادت الجهل ذكرت ريكوبا وإذا أرادت العنف ذكرت ريكوبا وإذا أرادت كليهما ذكرت عماد دغيج وأمثالهما في حين أنهما  لم يقتلا ولا هما عذبا ولا هما سرقا ولا هما نهبا….بل هما من زمرة من خرج إلى الشارع وواجه رصاص بن علي وجر جثث الجرحى من أصدقاء وإخوة….. أمثالهم حموا البلاد والعباد عندما انهار كل شيء. هما نموذجان للعاطل عن العمل الحامل لشهادة عليا الذي انسدت في وجهه الآفاق فانفجر…..تونس مدينة لهما ولغيرهما من الثوار بالحرية والكرامة وكل ما جنيناه من الثورة التونسية نعم الثورة التونسية…………..

الخطير أن الإعلام وقد وصل الفعل الثوري بالعنف وبوجوه الهمجية بخس الثورة نفسها وردد بطريقة غير مباشرة ما قاله أحد الأزلام : « الثوار عصابات من الهمج »…………. استثنى الإعلام التونسي من الثوار الشهداء – رحمهم الله رحمة واسعة – والجرحى ولكنه لم يهتم بملفهم إلا بقدر ما يمكن به أن يخدم فكرة أن الترويكا وقد اعتلت « سدة الحكم » تنكرت إلى « صاحب الفضل »  فتكون بذلك قد حق عليها نزول لعنة السماء على الجاحدين…….بنية أسطورية دفينة في لاوعينا الجماعي تجرم الترويكا وتصلها بخذلان صاحب الفضل…..

3 — تبخيس الترويكا ورئيس الجمهورية خاصة :

الترويكا هي التي مثلت التهديد الأكبر للثورة المضادة، إنها امتحان الثورة الأكبر : إن نجحت انهار صرح النظام القديم نهائيا ونابه صرح الثورة والثوار بديلا مشرفا وأديرت صفحة الماضي دون رجعة، لذلك كان لا بد من إفشالها، فهب إعلاميو تونس إلى العمل على إيهام الناس بفشلها الفشل الذريع المنفر المخيف. فتحولت المنابر الإعلامية الى قاذفات صواريخ تقصف الترويكا صباحا مساء تدك عودها الغض الطري وهي مجمع الشرفاء المناضلين الأكفاء….. تقصفهم باتهامات غير مبررة جوابها يسير لكن الإعلام يصم الآذان عن جواب التهم ويكتفي بترديدها وتكرارها ومعاودتها إلى حد الغثيان يستبدل الحجة العقلية المفقودة بالعمل على إرساء رد فعل ذهني آلي يصل الرئيس والحكومة بالتقصير ويحمله مسؤولية المصائب كلها (هو رد فعل آلي استغله الإعلام في لافتات « المؤقت » المضادة للدكتور المرزوقي) في حين أنه منها براء براءة شرحها آلاف المرات ولكن لا من أذن تسمع ولا من عقل يعي تنكيلا بمن يمكن أن ينجح فيقضي على أمل عودة الماضي المقيت، تنكيلا بمن  تحول إلى أيقونة الثورة التونسية لأسباب عديدة أهمها – وهي مفارقة –  أن المبالغة في الظلم والتجني أنتجت مبالغة في النصرة. إن ما نشهده اليوم من هبة شعبية مرزوقية تتجاوز كل ما حلمنا به وتفيض على حدود الحملات الانتخابية العادية لتتحول إلى تولع بالشخص وبرمزيته وببرنامجه التولع الخارق للعادة ثمرة التجني وتاج الأكاسيا الذي وضعه الإعلام على جبين المرزوقي مثله في ذلك كمثل المسيح يحمل خطايا البشرية جميعها. إن « المرزوقي-فوبيا » ولدت « المرزوقي-مانيا » وهو رد فعل طبيعي ومنتظر……. وهو من حسنات النكبات، نعمة أنعم بها الله علينا فالحمد والشكر له…………..

لم تكتف وسائل الإعلام بدك صورة الرئيس بل تعدته إلى الحكومة فوصلتها بأسباب الفشل فتكرر كلمة « الفشل » آلاف المرات في اليوم الواحد وتصم الآذان على التقارير التي قدمها وزراء الترويكا يصفون فيها إنجازاتهم مفصلة مبينة بالأرقام والرسوم، لكن الإعلام يكتفي بالسؤال وتكراره تكرارا لا يكل ولا يمل يصل إلى حدود الإغماء والغثيان : « وماذا فعلت الترويكا للتونسيين ؟ » وقد فعلت الكثير ولكنه كثير يعمى عنه الإعلام ويطمسه لإعماء التونسيين عن كفاءة أكيدة تهدد حلم الثورة المضادة بالعودة إلى الحكم.

أدوات وسائل الإعلام في إجهاضها للثورة وسائل غير عقلية ماكرة تسلك التأثير النفسي الموجه منها : التكرار والترهيب والكيل بمكيالين والتغييب والتضخيم والتبخيس والكذب الصريح والتشويه………. باللغة والصورة واختيار التوقيت في استراتيجية نجحت إلى حد الآن نجاحا نسبيا ولكنها تحمل بذور فنائها…….. مما يطول شرحه (بينت بعضه عند الحديث عن « المرزوقي-فوبيا » وربما عدت إليه في مناسبة آتية).

النتيجة ؟

ينوب خمسون تجمعي الشعب « يدافعون » عنه ضد المناضلين الذين هم « عملاء أمريكا وبني صهيون الساعيتين إلى تقسيم البلاد العربية تقسيما جديدا »…… الدكتور المرزوقي عميل وكذلك الشيخ راشد الغنوشي وأيضا السيدة سهام بن سدرين وكل من ناصرهم والتحق بهم……. فالمرزوقيون إرهابيون والجنوب جيوب إرهاب……فقط يستثنى من المناضلين القدامى ضد دكتاتورية بن علي من ارتد على نضاله وطبع مع جلاده ضد رفقاء الأمس……….

نحن اليوم غرقى في هذيان مطلق ………… حذارِ نحن على أعتاب الجحيم………. أغلقوا قنوات التلفزات التونسية قبل فوات الأوان……….

Olfa Hilali

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here