الغول والطّرطور

1
102

Leila Haj Amor

Leila Haj Amor

حكاية قبل النّوم.. لابني الصّغير 

الغول والطّرطور

يحكى أنّه في سالف الأزمان كانت هناك مدينة مروّعة من فرط بطش السّلطان وأهله. وكان يكمّم الأفواه ويلجم الألسنة ويفزع الأفئدة. وأنّ النّاس أصابهم الهلع وسكن قلوبهم الخوف من فرط الحيف فأقام كلّ واحد داخل زجاجة يحتمي بها من الطّاغية.

فلمّا ثارت الثّائرة واشتعلت النّائرة كسّر النّاس زجاجاتهم وخرجوا يرفعون قبضاتهم في وجه جلّادهم وقصدوا القصر حاملين زهرة النّار فلاذ السّلطان بالفرار وقصد الدّيار وأنّ أنصاره من الغربان والأفاعي أسرعوا بالاختباء في الكهوف والمغاور وقد أصابتهم زهرة النّار بالرّعب. واجتمع أهل المدينة فاختاروا مجلسا ورئيسا من حكمائهم وبدأوا النّظر في أمورهم وكتابة دستورهم ممنّين النّفس بطيب العيش وبديمقراطيّة تحميهم من البطش. ولم يهنأ الغربان بحياة المغاور وعاودهم الطّمع في المعالي وقد ضيّعوها فجنّدوا السّحرة والمشعوذين ووفّروا لهم العدّة والعتاد وجلبوا لهم من أدغال افريقيا الأعشاب السّحريّة ومن أرض الرّوم السّوائل والمعادن الثّمينة ومن أرض العرب الأبخرة والعطورالشّرقيّة. وقال السّحرة : اهنأوا سنحوّل كلّ حامل لزهرة النّار إلى كائن ممسوخ. وكان نصيب الرّئيس، وقد زاد من جزع الغربان بالصّمود في وجه الذّئاب ورفض محاولات الانقلاب، أن حوّلوه إلى طرطور وجعلوه كائنا أسود بقرون طويلة وأجنحة كالخفافيش.. وسعد الغربان بذلك وهتفوا : ليسقط الطّرطور. ولكنّ الطّرطور لم يسقط فزاد حنق الغربان وكلّفوا السّحرة بصناعة غول ينفخون في روحه ويكون قادرا على القضاء على حامل الزّهرة. ونفخ في الغول فقام واستوى وهتف الغربان : يحيا الغول وردّدت الأبواق : يحيا الغول. واشتدّ الّتّنافس واحتدم الصّراع وامتلأت القلوب وأفرغت الجيوب واحتار النّاس وأصابهم الوسواس. وقالت جنيّة طيّبة : سيصير الطّرطور شابّا وسيما لو أحببتموه وأردتموه وتوحّدتم حوله. واجتمع النّاس وقرّروا عقد مناظرة بين الغول والطّرطور. وتقدّما إلى الحلبة وانتصب الغول مدجّجا كمحارب انكشاريّ وقد التفّت حوله الذّئاب يسندونه. ووقف الطّرطور الأسود يحمل في اليد اليمنى كتابا وفي اليسرى زهرة النّار. وهتف النّاس أن تكلّموا. وتكلّم الغول فقال : أيّها النّاسّ لقد ساد المدينة الإرهاب منذ ذهب الذّئاب. وإنّي لأعد بعودتهم وبحلّ الهيئات والمؤسّسات التّي لا نريد. وسنقبض على البلاد بيد من حديد… وإنّي على هذا لقدير وإن لم تصدّقوني فإنّي لخالع عنّي ثيابي. وهمّ بخلع ثيابه فاهتزّ النّاس بين مؤيّد ومندّد وبين راض وساخط وبين حائر وساخر. وتكلّم الطّرطور فقال: أيّها النّاس : هذا الكتاب. وهذه زهرة النّار. وإنّي أعد بمدينة تسع الجميع وفيه تحترم الحريّة ونؤسّس لدولة المواطنة الاجتماعيّة وإنّي « لست بخالع درعي وسيفي ** إلى أن يخلع اللّيل النّهارا ». ووقع الخطاب في قلوب النّاس وشغفوا به وأسرعوا بوضع الطّراطير فوق رؤسهم وأمسكوا كتبا باليد اليمنى وأزهار النّار باليد اليسرى. وفي الأثناء كانت الجنيّة الطيّبة تمسك العصا السحريّة وتحوّل الطّرطور في غمضة عين إلى شابّ وسيم وانقلب السّحر على السّاحر وأدرك النّاس أنّ كلمة  » طرطور  » كانت خدعة كخدع كثيرة نعيشها. خدعة الكلمات.

بنيّ : احذر الكلمات.. فبعضها ساحر آسر وبعضها خادع قاتل. وبعضها جارح كسيف وبعضها محيي كبلسم وبعضها حجب وخفاء وبعضها كشف وعراء.

وكم تعرّى البعض من كلمة!!

Leila Haj Amor

1 COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here