محو الرّموز: استراتيجيّة مضادّة للثّورة.

0
10

105059

لسنوات قبل الثّورة يحدث وأنا أتناول مسألة الموت ( في درسي ) أن أستعرض مؤلّفات تناولت الموت حديثا ويحدث أن أذكر من بين هذه المراجع كتاب: الطّبيب والموت للدّكتور منصف المرزوقي .. كتاب قرأته زمن المنع وقارب فيه الكاتب الموت مقاربة تقاطع فيها العلميّ والأدبيّ والفلسفيّ والدّينيّ. كتاب ممتع في نتاوله لقضيّة انطولوجيّة معقّدة يعكس رؤية للكاتب مميّزة وتجربة طويلة في مصارعة الموت بصفته طبيبا.

كنت حين أذكر كتاب الدّكتور المرزوقي أجد لدى تلامذتي تقديرا كبيرا للرّجل ويصل الأمر ببعضهم أن يطلبوا الكتاب ويرحلون مع أفكاره ورؤاه.

بعد الثّورة.. وفي فترة كان يجب فيها تكريم رموز الفكر والنّضال الحقيقيّ بعد تهاوي الأصنام الورقيّة التّي صنعها إعلام المال والفساد اشتغلت الآلة الجهنّميّة. آلة عقل ماكرة بكلّ وسائلها الموبوءة ووجّهت قصفها إلى العقول لتشويه رموز النّضال وتحطيمها. واشتغلت الآلة ضدّ الدّكتور منصف المرزوقي بصورة خاصّة فأصبح مجرّد ذكر اسمه داخل القسم مغامرة غير مأمونة العواقب من فرط ما روّجه الإعلام من أكاذيب وأراجيف وتشويهات طالت الرّجل في رمزيّته.

كان التّشويه عنيفا ولا يزال وأوّل ممارسيه اليوم نخبة كانت تتبارى في قراءة بيان 7 نوفمبر على التّلاميذ في الأقسام وتتنافس على المشاركة في الاحتفالات النّوفمبريّة تقودها في ذلك نزعة التزلّف ورغبة التسلّق.

لقد كان محو الرّموز وتشويهها استراتيجيّة بارزة لدى قوى الثّورة المضادة الّتي لم تتوانى عن إثارة الأنفس وتهييجها غريزيّا أحيانا وبكلّ الأساليب المقرفة والبائسة ضدّ شخصيّات مثّلت في الذّاكرة الجماعيّة للتّونسيّ مراجع نضاليّة لا ترقى إليها الشّكوك.

لقد كان الأمر بمثابة  » نهب  » لذاكرة التّونسيّ و  » خطف رمزيّ  » لتاريخ نضاليّ كامل لمناضلين قدّموا الكثير من حياتهم وفكرهم للوطن مقابل اختلاق  » رموز ثانية تمّ تقديمها بمثابة  » المنقذ  » للبلاد والعباد من الضّلال في حين أصبح رموز النّضال الحقيقيين أعداء يستوجب على البلاد التخلّص منهم ومحو أثرهم.

محو الرّموز كان استراتيجيا ماكرة تهدف إلى تجريد الثّورة من رمزيّتها. بدأت بالبوعزيزي الذّي حوّلته إلى أحمق وانتهت بالدّكتور المنصف المرزوقي الذّي حوّله إلى طرطور مرورا بمناضلين آخرين لا حصر لهم أعطوا من دمهم من أجل كرامة الوطن. استراتيجيا لا يقدر عليها سوى لصوص الإعلام الذّين تربّوا على يد جهابذة المدرسة النّوفمبريّة.

محو الرّموز محو لفكرة الثّورة. والشّعوب العظيمة تقاوم محو رموزها بتخليدهم والتمسّك بهم والدّفاع عنهم.

معركة الرّمز: معركة مصير!

 

Leila Haj Amor

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here