مأزق المنتصرين …و آفاق المنتكسين.

0
61

الحبيب بوعجيلة

أجلت حركة النهضة الإفصاح عن مرشحها للانتخابات الرئاسية ملقية مرة أخرى بمقترح الرئيس التوافقي على طاولة الجدل السياسي في تونس . بهذا الموقف تستثمر الحركة بذكاء في وضعية الذهول التي تعاني منها « المنظومة القديمة « العائدة إلى الصدارة بانتصار أربكها كما يحصل مع سارق كنز يبدو عاجزا عن صرفه .

بهذا التأجيل أيضا تدفع حركة النهضة إلى سقوفها العليا بوضعية « الغضب  » و « التخوف » من عودة التجمع التي عمت الساحة الشعبية و أصابت أغلب المواطنين بمن فيهم من انتخب « التجمع و بهذا الدفع تفسح المجال للمبادرات المدنية و قواعد الأحزاب الوطنية بمن فيها قواعدها و عموم شباب الثورة و سائر المثقفين الوطنيين لخلق حالة شعبية ضاغطة على طبقة سياسية تريد تسوية المشهد في القاعات المغلقة حيث يسهل عادة ابتزاز الإسلاميين الذين حافظوا على موقعهم بلا حلفاء في مشهد سياسي خبيث و معادي على طاولة « حوار وطني » صيغت مقاييس « وطنيته » على قاعدة تحالف الاستئصالين و عميان الايديولوجيا من اليسار المرسكل و اليمين العميل للخارج و بقايا بورقيبة بن علي …

من جهة أخرى تمنح حركة النهضة بهذا التأجيل الوقت لحلفائها من التيار الديمقراطي الاجتماعي الوطني (المرزوقي ..الشابي ..بن جعفر) لمزيد إحكام صياغة تكتيكاتهم في خوض معركة الرئاسيات على قاعدة اعتماد أسلم السبل في مواجهة مرشحي المنظومة القديمة و كومبارساتها من مرشحي التشويش الانتخابي .

و في أجواء الضغط المسلط على الأزلام المضطرين إلى تقرير خيارهم لتشكيل الحكومة و الاتفاق على مرشحهم الرئاسي الأوحد الذي ستشتغل له « الماكينة » في لعبة التصويت النافع تبدو كل حكمة تبديها النهضة في ملاعبة المنظومة القديمة و حلفائها مكسبا للثورة و الانتقال الديمقراطي و تعميق الضريبة التي يجب أن يدفعها الفاسدون و حلفاؤهم ثمنا لهذا الانتصار المسروق و المعمد منذ سنوات ثلاثة بجرائم في حق البلاد اقتصاديا و اجتماعيا و بيئيا و ممهورا بدماء الأبرياء الذين سقطوا في « مؤامرة الإرهاب المصنوع » و مدعوما بخيانات « أكباش النطيح » و أموال ضاحي خلفان و بندر بن سلطان .

يبدو » نداء التجمع  » حاليا في وضع دراماتيكي يؤذن بانقلاب تقدمه في انتخابات 26 أكتوبر إلى وبال عليه .فالقوى « الراعية » للمسرحية التنكرية التي تخوضها « المنظومة العائدة » قد تضطر إلى إحالة العجوز السبسي إلى التقاعد لتعوضه برئيس آخر من جملة « الأزلام المعروضين » و لكن السؤال المطروح هو هل يتمكن « رئيس غرفة العمليات » من إنفاذ « أوامره » على « وزراء بن علي » المسكون كل واحد منهم حد الهوس بحلم رتق « فحولته » المطعونة في العهد البائد بالجلوس على كرسي « السيد المخلوع » الذي تفنن في « اخصائهم » السادومازوشي ؟ هل يكتفي « رئيس غرفة العمليات » بدعوة « مماليكه المخصيين » إلى حلبة « الدورة الأولى » من الرئاسيات لينتقي أقواهم على عادة ما يفعل أباطرة الرومان بعبيدهم ؟

أمام رعب « السباق الرئاسي » الذي تعيشه المنظومة القديمة يبدو نداء التجمع مضغوطا تحت مفرمة تشكيل « حكومته » في برلمان يبدو فيه عاريا إلا من « حلفاء مصطنعين » لا يملكون المصداقية الأخلاقية و الكفاءة السياسية لإضفاء طابع « الوحدة الوطنية » على حكومته .

تشكيل الحكومة بالتحالف مع النهضة سيسقط الأساس الذي قام عليه هذا المسخ السياسي المسمى « نداء تونس » و لكن تشكيلها بدون هذا الرقم السياسي المهم سيعمق رعب الداخل و الخارج من عودة المنظومة عارية إلا من بن علي و الطرابلسية .

حلفاء النداء الموضوعيون داخل البرلمان يظهرون في حالة من الضحالة السياسية بحيث يتجلون كعبء مزعج للتجمع الجديد لا يمنحه ما يحتاج من دعاوى الانفتاح على المختلف فهم نسخته الرديئة في عرائها الاستئصالي . فالجبهة الشعبية تبدو في حالة من الذهول و التشتت حيث واصل « الوطد » الوفاء لموقفه التقليدي منذ عقود بالانحياز في اللحظات الحاسمة للتجمع في مواجهة الإسلاميين و لكن النداء لن يرتاح كثيرا لخطاب « كومبارس عبيط » تم استعماله في المواجهة و لن يصلح كثيرا في « البناء » .في موقف مختلف واصلت مباركة عواينية عن التيار الشعبي خطاب الشحن الذي لا يعني أحدا من السياسيين الجديين عبر تكرار مضاغة « الإسلام السياسي المورط في دم زوجها » مؤكدة باسم الجبهة الشعبية أنها « لن تحكم معه » و لكنها ستقبل بالحكم إذا تشكلت « حكومة كفاءات حزبية » لأنها « لا تريد أن تخدم عند أحد » وهو موقف عجز ذكائي الفائق إلى حدود كتابة هذا المقال عن فهم معناه . أما حزب العمال فيلتزم الصمت المطلق قبل قرار الحكم أو عدمه في حكومة ائتلاف مع « البورجوازية العميلة » و « الفاشية الدينية » .

حزبا آفاق و الرياحي و على عادة « الأقليات الحزبية الوازنة » سيضعان نداء التجمع في وضعية ابتزاز مهين .

رباعي الحوار لن يملك في هذه الظروف طاقة تسمح له بمنح القوة لحكومة ضعيفة بالخمسين زائد واحد مع ثلث معطل و شارع متخوف من عودة التجمعيين .

الاتحاد العام التونسي للشغل سيعاني من مكتب تنفيذي متحزب ستنتقل إليه خلافات الجبهة الشعبية و ستجد منظمة حشاد نفسها في وضع عانت فيه كثيرا من ترهل مصداقيتها بعد انخراطها لمدة سنوات ثلاثة في صراع عاد ريعه لمنظومة قديمة سيكون الآن عاجزا عن مواجهتها و لكنه سيكون بلا قيمة أخلاقية لو ارتهن إليها و أقر هدنة اجتماعية طالما منعها عن الترويكا .

في هذه السياقات يتحرك الشارع مستعدا لانتخابات رئاسية يبدو فيها ميالا إلى رئيس يحفظ للثورة حظوظ قدرتها على مقارعة التجمع في جولة جديدة .

الحبيب بوعجيلة

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here