في غربة المدن.

0
74

أغادر مدينة وأدخل مدينة.. وفي كلّ مدينة نغادرها نترك بعضا منّا .. تركت بعضا منّي في المدينة التّي أودّع وأخذت معي بداخلي بعضا من سكّرها وترابها.. عشرون عاما كم أحببتها وكم كرهتها .. في مدننا الملأى بالتّناقض لا مجال للحبّ الخالص أو الكره الخالص فهي تعطيك بقدر ما تؤذيك تحييك بقدر ما تميتك.. فيها نبتت لي جذور أنا الغريبة وأينعت أوراف وتفتّحت براعم ولكنّي كنت أشعر دائما أنّي نبتة بريّة..شيح أو عرعارأو زعتر ملكيّ.. وأحيانا أأتمدّد فأصبح شجرة سدر أو عنّاب أو لاكاسيا عوسج أو ريحان..رائحتي شذيّة ومذاقي مرّ شوكي حادّ وثمرتي شهيّة.. أو شجرة ميموزا بأزهار صفراء حريريّة وبأوراق خجولة تنغلق فورا بمجرّد لمسها احتماء من عدوانيّة الآخر في مدن العدوانيّة المجانيّة..

هي مدينة مخاتلة فاتنة كعروس خاصّة إذا جئتها ليلا تراها تتلألأ عند سفح الجبل.. وماكرة كثعلب.. فيض طيبة وأطنان من الكراهية .. كريمة العطاء شحيحة الأفكار عقيمة الخيال..وفي مدن العقل الإقطاعيّ والحداثة المشوّهة لا يمكن إلّا أن تهرب للإقامة مجازيّا بين فجاج الوديان تتفيّأ نوّار الدّفلة وتمارس خطيئة الحلم والتّفكير وبك حذر أن يمسك بك متلبّسا بتهمة زعزعة مسلّمة وتقويض فكرة سائدة أو بإثم كتابة قصيدة لعينيه.. وهناك على إحدى الهضاب يتربّص بك عقاب ينتظر موتك المعنويّ كي يفتك بك وينهش لحمك.. الحريّة مفهوم هلاميّ فهي مدينة للتّشابه والتّماثل وثقافة القطيع..

الرّاحة قبل الحريّة والخبز قبل الكرامة لذلك لم تعرف ثورة ولا نصف ثورة ولا ربع ثورة رغم أنّ قبائلها ورجالها كانوا صناديد في وجه الاستعمار ..هي ، ككلّ المدن العربيّة، مدينة للحبّ التّقليديّ والفرح التّقليديّ والموت التّقليديّ وأيضا مدينة للخوف والأراجيف والإشاعات الكلّ يراقب الكلّ والكلّ بوليس ضدّ الكلّ.. لذا تغيب الأفكار وتمرح الأشباح والشّياطين القديمة وترقص الرّداءة ويصمت العقل ويتوقّف القلب عن النّبض وعن الحبّ…. هي المدينة العربيّة بامتياز حيث يموت الإنسان الحرّ يوميّا داخل الحصار المحكم على العقل والقلب.. وعليك أن تتحوّل إلى كتلة لحم غبيّة كي تعيش سعيدا..


مدينتي الجديدة التي أعود إليها.. موطني.. نسيتني وغامت ملامحي لديها.. كبرت خارجها فلم تعرفني.. أنا فيها أيضا نبتة بريّة.. زهرة سيكلامان على هضبة في بوقرنين.. كبرت هي أيضا وشاخت..وذوي جمالها وبانت تجاعيدها وكثرت أخاديدها.. في حفر شوارعها يسكن فشل الدّولة في إقامة مدن للفرح والحياة وفي مجاريها المنسدّة دائما انسداد لأفق الحياة والإنسان..طرقاتها تسير بك إلى قدر الاغتراب الزّمانيّ والمكانيّ ولا ينجو إلّا من خاض مغامرة المعرفة وآمن بالثّقافة أداة لتحرير الإنسان والأوطان..


ونظلّ ننتظر نشأة مدن جديدة.. مدن الورد والحبّ والحريّة..


حيث بإمكانك أن ترتمي على الرّصيف شلح زنبقة دون أن تخشى أن تطأك أقدام  » دواعش الدّين  » و  » دواعش الحداثة  » وحيث بإمكانك أن تعانق السّماء لتصير نبيّا أو عاشقا أو ثائرا دون أن يتمّ اغتيالك مرّات ومرّات.

Leila Haj Amor

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here