الشعانبي، بؤرة الإرهاب المتجدّد…

0
36

 

Mansar Hedhili

منصرهذيلي

 

لو أمعنّا وحقّقنا لثبت لدينا أنّ كلّ بلدان العرب رهينة لبؤر لا تهدأ فترة إلا لتستعيد نشاطها وتعيد حضورها في المشهد إرباكًا وتشتيتًا وسعيًا في بعثرة المشاريع السياسية. هناك قرارٌ مركزي أن لا يستقرّ الوضع بأي بلدٍ عربي. الشعانبي، درنة، الشرق الجزائري، صحراء سيناء، مناطق في سوريا والعراق وكانت في السودان من هذه البؤر ويمهّد الطريق لغيرها في بقاع أخرى من أوطان العرب وهذه الظاهرة ستتكثّف خلال الأشهر والسنوات القليلة القادمة.

الشباب الذي يغذّي هذه البؤر يعتقد أنها نواتات أولى لإمارات ودول ينفذ منها إلى المجتمعات بعد تصفية الطواغيت لتطبيق شرع الله. وهذا من الوهم وعمومًا فإنّ المرحّب بهم داخل تنظيمات الإرهاب هم الأضعف أمام الوهم وهم الأكثر تلقّيًا وتقبّلا لخطابات تصوّرهم فاتحين مبارَكين مهتدين. لا مكان هنا لفكرٍ أو سؤال أو استفسار وإنّما لطيّعين مبرمجة عقولهم بالكامل. وليس الأمر كذلك إلا في عيونهم، عيون ضيّقت لترى من العالم الواسع مجاهدين يقف أمامهم طواغيت ولو كانوا يرون أوسع لفهموا أنّهم لا يأتون ما يأتون إلا لحساب أئمّة الطاغوت الدوليين. هذه البؤر ليست بفعل بسالة الإرهابيين ولا بفعل صوابية نظريّاتهم ولا من بركات السماء فليس في السّماء غير الرّحمة.

هذه بؤر يقف خلفها قرار دولي يعتمدها صواعق للتفجير متى دعت الحاجة إلى ذلك وبالنّظر لتراجع قدرة دول النفوذ على الحضور بالعدّة والعدد فإنّ الحاجة إلى بؤر التفجير تزيد ولا تنقص. ليس صدفة أن يعمد إلى قتل بن لادن في الفترة الأخيرة إذ قتل بن لادن كان يمكن أن يتمّ قبل ذلك ويؤشّر قتله مطلع الربيع العربي إلى دور جديد يوكل إلى الجهادية الإسلامية وهي بين مخترقة وبين محاطٍ بها.

بدأ المشوار مع الشيخ عبد الله عزام وكان على قدرٍ من العلم والتصميم، أنجز بمن استقطب وأطّر من جهاديين تحرير أفغاستان من السوفييت. كان يرى أنّه ينجز ذلك لقضيّته وأمّته ولكنّ المحصّلة أنّه أنجز ذلك للأمريكيين الذين أبقوا عليه لأنّه تحرّك في ما يستفيدون منه  وظنّ الرّجل أنّه يستفيد. فلمّا تطوّرت خططه نحو بناء دولة أفغانية بملمح إسلامي جهادي ونحو نقل الخبرة إلى الفلسطينيين المنتفضين، إذ هو منهم وإليهم، أنهوا دوره سنة 1989 بتفجير في بشاور بباكستان حيث مؤسّسات تستقبل المجاهدين وحيث حراك الأجهزة والمخابرات. لم يكن الرّجل عميلا ولكنّهم استعملوه وفي الخلاصة فإنّ العميل من تستعمل وهو لهذا عميلٌ رغمًا عنه، هو منزّه عن عمالة الضمير ولكنّه قدّم أجلّ الخدمات لخصومه ولقد رتع الأمريكيون شرقًا وغربًا في أفغانستان بعد ذلك بسنين وهم الذين حضروا أوّلا لنصر المجاهدين. أمّا  عن حلم الدولة الإسلامية في أفغانستان فقد مزّقته وعبثت به جحافل طالبان المصنّعة باكستانيًا والمموّلة سعوديًا. طالبان التي تخصّصت بنبش القبور وتفجير التماثيل والإذاعات والتلفزيون لتثبت للعالم أنّ الإسلام مصنع متوحّشين مثبتة صوابية رؤى المبشرين بنهاية التاريخ والمعرّفين للمسلمين بأنّهم متوحّشون.

جاء بعد ذلك بن لادن ولم يكن الرّجل عميلا ولكنّهم نجحوا في استعماله على أكمل وجه ورغمًا عنه، هو أيضا، سار في ما يخدم خصومه المعلنين. حتّى لمَّا قرّر بن لادن أن يبتعد ويستقرّ بالسودان طاردوه وفرضوا عليه الإحتماء بجبال أفغانسان وهناك طوّر مقولة ضرب المركز ومهادنة الهامش وسخر نفسه وتنظيمه العاتي لملاحقة اليهود والصليبيين وقمّة ما أنجز تدمير إستعراضي لبرجي بيويورك. تدمير إلتقطه المحافظون الجدد وآعتمدوه ذريعة لآحتلال أفغانستان والعراق ولفرض مقاومة الإرهاب أجندة مخترقة للحدود. دخول  العراق رغم كلفته الباهضة فهمه الأمريكيون استثمارًا جيدًا على المدى البعيد وبعض الإستثمار أيضًا في العلاقة بالرقم الجهادي فلقد أصبح العراق أرض جهاد أفرزت قادة جددًا للأمريكيين، الذين عذّبوا وحقّقوا وساوموا، منهم نصيب. وهذا النصيب هو من يخلف بن لادن اليوم ويجلب إليه الأنظار ويفرض قبلة للجهاديين. مرّ الزرقاوي بالعراق وصال وجال غير مغضوبٍ عنه فلمّا أخطأ وآستهدف بجماعته نزلا بعمّان تمّت تصفيته في وقت قياسي فالرّجل كان مخترقًا في الدّائرة الأضيق والأقرب إليه.

يتركونك تتحرّك إذا وافقت حركتك هواهم فإن حدت يشلّون حركتك ويعدمونك. هم لا يحتاجون عميلا فالعميل لا يضحّي بنفسه وإنّما يحتاجون جاهلا وغبيًّا يفعلون به ثم يفعلون فيه. ألسنا نقول: يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدوّ بعدوّه؟ جلّ الجهاديين مصداق ما نقول.

تدخل الجهادية بإعلان الخلافة زمنها الثالث وهو زمن مختلف. لن تسمعوا كثير حديث عن اليهود والنصارى وإن كان فللتعمية ليس أكثر. ستسمعون أكثر حديثًا عن حرب الرافضة والمشركين والمبتدعين  وستشاهدون على الشاشات كثيرًا من إقامة الحدود ومن الذبح والتصفيات بدمٍ بارد وسيطغى صراع الطوائف والأعراق. سيلاحق رموز الجهادية القديمة ويذبحون فهم غير مضمونين وسيطلب ممّن دونهم مبايعة الخليفة بما يمكّنه من السيطرة على الظاهرة الجهادية لتحريكها بنجاعة لإنفاذ ما يرسم من أهداف. لا تكتفي المخابرات الدولية هذه المرّة بالإحاطة بهذه التنظيمات ولكنّها ستتحكّم فيها كلا وسترفع من نسق ترويعها لأنّ الوقت يمرّ والمطلوب الملحّ تفتيت المنطقة فتصبح الدولة الواحدة دولا متقاتلة.

في هذا السّياق الدولي يحضر الشعانبي وتحضر أشباحه المركبة، ألغامه وقذائفه ورصاصه. يحضر كمفجّر للوضع التونسي وكمعطّل لمسار التونسيين الهشّ. ورغم أنّ الشعانبي ليس رمزا ولا حزبًا فإنّه يبقى أهمّ فاعلٍ سياسي. مررنا من حكومة إنتخابات إلى حكومة توافقات ببركاته ولعلّ بركاته تزيد فننتقل مطلقًا من مسار الإنتخابات إلى مسار التوافقات. يخرجون علينا بعد قليل للقول أنّ الأولويات تغيّرت وأنّ الوطن في خطر. أصبحنا نفهم جيّدا أنّ رعد الشعانبي يأخذ إلى التوفقات وأنّ التوافقات تفتح شهيّة السفارات. التونسيون لا يتوافقون وإنّما تعتمد السفارات جلوسهم حول موائد الخشب لإخراج توفقات هي أصلا قرارات ولنعود إلى القديم: دول النفوذ تختار لنا الحاكمين. ولا دور للإرهاب إلا هذا: تأبيد القديم.

غير أنّ مسألة البؤر المبثوثة أبعد من التفصيل التونسي، إنّها مراكز تأثير وتحكّم في مستقبل العرب على أكثر من صعيد لذلك فإنّ الحلّ لها ليس تونسيا وما يخطّط للعرب بها مهول. على المدى المباشر والقريب فقد وأدت هذه البؤر دينامية الربيع ولا يتعامل الإعلام الدولي مع العرب الآن على أساس أنّ بأوطانهم ربيعا وإنّما على أساس أنّهم يفرّخون الإرهابيين. ولست أعجب إلا من الذين راهنوا على هذه التنظيمات لتكون نصيرًا لربيع السوريين ومن بعدهم العراقيين وبعض من راهن هذا الرّهان يرى نفسه ذكيًّا وهو إنّما يخرّب بيته بيديه.

على المدى المتوسّط فإنّ هذه التنظيمات المقارعة للطواغيت ستضعف الدّولة أينما حلت وتنشر الفوضى بما يفقد كلّ الهيئات هيبتها ونفوذها. على المدى الأبعد ستكون هذه التنظيمات سببًا يقود إلى الإنشطار والتقسيم علي كلّ أساس توفر من دين ومذهب وقوميّة فإذا تمّ هذا توفّرت لإسرائيل الكبرى شروطها وآجتمعت بدماء المسلمين وسلاح المسلمين ومال المُسلمين. ينتصرون بك عليك، هذا ما يريدون ولا ينفقون في ذلك إلا المكر والدّهاء.

هل ينجح كلّ هذا التخطيط؟ سيأخذ معنا وقتًا وتكثر الدّماء والأشلاء وتتابع حلقات التآمر ولكنّه يفشل. لماذا؟ لأنّه يكون ما لا يتوقّعون ولله مكره ولن يعدم العرب بركة من وعي وفهم وإرادة وتصميم وفي النّهاية سيرى العرب اليد التي تحرّك كلّ هذه الفوضى ويقطعونها. نحتاج زمن الفوضى العربية نقطة أو مركزًا نعيد به ومنه النّظام وهنا تحديدًا تكمن قيمة ما يحدث في غزّة وفلسطين. هي قضية مركزية والمركز ما يقام عليه النّظام والبناء ولقد سعوا في حرماننا من هذا المركز الجامع فأصبح لكلّ عربي مركزه تقريبًا.

 نحتاج محورًا إقليميًا واعيًا ومتصدّيًا قادرًا على ردّ الفعل والمرشّحان القويّان لهذا هما تركيا وإيران إذا صدقت النوايا فمشروع التقسيم سيطال البلدين في النّهاية. نحتاج وعيًا بضخامة التخطيط وتفكيكًا دقيقًا لظاهرة الإرهاب التي يبدو أنّها تتحوّل إلى سلاحٍ فوق إستراتيجي. إنّ أكبر حماقة ترتكبها دولنا أن تستعين بالأمريكيين في مقاومة الإرهاب فهم صانعوه وهم المستفيدون منه. لا عجب أن تفعل  أمريكا كلّ هذا بمتحمّسين إسلاميين فهي تفعل الشيئ ذاته وأكثر بدول في المنطقة، تخرّبها بها وتدّعي محالفتها.

 وبالعودة إلى تونس فواضح أنّه يراد كسر إرادتنا المشروعة في الإنتقال بآنتخابات حقيقية إلى الديمقراطية والمصيبة أنّ ممارسات القوى السياسية الكبرى لا تقوّي إرادة التونسيين وتقوّي إرادة غيرهم وهذا الغير بين جار قريب ومحتلّ قديم ومتحكّم في العالم من بعيد وإسرائيلي يريد أن يبقى في المنطقة هو وحده الديمقراطي. القوى السياسية التي يُعوّل عليها حقًّا غرقت في صراع الزعامات وحبّ البروز. لا أظنّ أنّه بهذا يكون لنا ما نريد. في المقابل وبالنّسبة لعموم المنطقة فإنّ ثقتي لا تتزعزع بأنّ لحظة اعتقاد إسرائيل أنّها تكبر وآجتماع الشروط لكي تكبر، لحظتها تحديدًا تزول وإذا زاد النّسق الممهّد لإسرائيل الكبرى يزيد معه نسق زوال إسرائيل.

منصرهذيلي

LAISSER UN COMMENTAIRE

Please enter your comment!
Please enter your name here